الشيخ أحمد فريد المزيدي

249

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الدعوى ، وكان يقول : إن لي كذا وكذا . حتى أبلغ الخبر الجنيد ، فنهض وجاء إلى صومعته ، فوجده وقد ملأ رأسه زهوا ، وتمكن في دماغه الكبر ، فسأله الجنيد عن حاله ؟ فذكر للجنيد كل شيء ، فقال له رضي اللّه عنه : عندما تذهب الليلة إلى ذلك المكان قل : لا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم ثلاث مرات . فلما جنّ الليل حملوه ، وكان في قلبه ينكر علم الجنيد ، فلما انقضى زمن . . قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ثلاث مرات على سبيل التجربة ، فضجّ أولئك جميعا وانصرفوا ، ووجد نفسه جالسا في وسط مزبلة وقد أحاطت به بعض عظام الرمم ، ووقف على خطأه وتعلق بأهداب التوبة ، ورجع إلى صحبة أصحابه « 1 » . وورد في الآثار أن رجلا من أهل الدنيا عرض نفسه وماله على الجنيد رحمه اللّه ، وسأله أن يباسطه في كل ما سنح له من حوائجه ، فقال له الجنيد : لعلك محتاج إلى ما معك . فقال الرجل : لا أحتاج إليه ؛ فإني موسر ، ومالي صامت وعقار وضياع . فقال الجنيد : ومع هذا تريد الزيادة ؟ قال : نعم . فأخرج الجنيد خرقة وعليها عقد ، ففتحها وأخرج منها شيئا ، وقال : خذ هذا وأضفه إلى ما عندك ؛ فإنك محبّ في الزيادة ، محتاج إليها ، وأنا غنيّ ، غير محتاج إليها ، فخجل الرجل « 2 » . قال أبو طالب : جاء شابّ من خراسان لزيارة الجنيد ، فأخذ الجنيد من الشاب عصاه وركوته ، وأرسلها البيت ووضعها في مخزن وقفله ، وتلك الليلة كان لأصحاب الجنيد اجتماع ، فقال الشيخ لجماعة : ودّوا هذا الغريب . فلما فرغوا من الطعام ، فبطريق الطيبة والمزاح أرادوا أن يلعبوا الخاتم ، فقال الشبليّ للشاب : توافقني فيه ، فأبى ، وعابهم ، فنظر إليه الشبليّ وقال : اسكت وإلا أقطع رأسك . فسكت الشاب ، وقام وذهب ، في اليوم الثاني حكوا هذه الحكاية عند الجنيد ، فقام الجنيد ودخل البيت فما وجد العصا والركوة في ذلك المكان ، فخرج وقال لأصحابه : كم مرة أوصيتكم إن دخل غريب لا تذلوه بالمزاح معه ، واللّه لقد أخذ العصا والركوة وذهب ، وما أعطيته ، وما طلب منّي « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 585 ) . ( 2 ) انظر : المنهاج الواضح ( ص 222 ) بتحقيقنا ، وعقب الشيخ الماجري بقوله : فقيل : هذا على أن صاحب الحال يؤثر على صاحب المال ؛ لأن صاحب المال ينفق من نعمة ، وصاحب الحال ينفع الخلق بهمة ، فهمم الناس أحوج منهم إلى صاحب المال . ( 3 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 114 ) .